ابن عجيبة
424
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وفي رواية : لمّا رجع - عليه الصلاة والسلام - ودخل مغتسله ، جاءه جبريل بعمامة من إستبرق ، على بغلة ، عليها قطيفة من ديباج ، فقال : قد وضعت السّلاح ، واللّه ما وضعت الملائكة السلاح ، وما رجعت إلا من طلب القوم ، وإن اللّه يأمرك بالمسير إلى بني قريظة . فأذّن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الناس : أنّ من كان سامعا مطيعا فلا يصلّين العصر إلا في بني قريظة . فخرج إليهم ، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : تنزلون على حكمي ؟ فأبوا ، فقال : تنزلون على حكم سعد بن معاذ ؟ فرضوا به . فقال سعد : نحكم فيهم : أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ونساؤهم . فكبّر النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وقال : « لقد حكم فيهم بحكم اللّه من فوق سبع أرقعة » « 1 » . ثم استنزلهم ، وخندق في سوق المدينة خندقا ، وقدّمهم ، فضرب أعناقهم . وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة . وقيل : كانوا ستمائة مقاتل ، وسبعمائة أسير ، فقتل المقاتلة ، وقسم الأسارى ، وهم الذراري والنساء . وكان علىّ والزبير - رضى اللّه عنهما - يضربان أعناق بني قريظة . والنبي صلى اللّه عليه وسلم جالس هناك . والقصة مطولة في كتب السير « 2 » . وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ؛ الخوف . وفيه السكون والضم ، فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ، وهم الرجال وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وهم النساء والذراري . قالت عائشة رضى اللّه عنهما : لم يقتل صلى اللّه عليه وسلم من نساء بني قريظة امرأة إلا واحدة ، قتلها بخلاد بن سويد ، كانت شدخت رأسه بحجر من فوق الحصن « 3 » . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ كالمواشى والنقود والأمتعة . روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار ، وقال لهم : « إنكم في منازلكم » . وَ أورثكم أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها بعد ، قيل : خيبر ، ولم يكونوا نالوها ، أو : مكة ، أو : فارس والروم ، أو : كل أرض لم تفتح إلى يوم القيامة ، فمكّنهم اللّه من ذلك كله ، وفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها . وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ، فيقدر على جميع ذلك . الإشارة : هذه عادة اللّه مع خواصه ، أن يخوفهم ثم يؤمنهم ، ويذلهم ثم يعزهم ، ويفقرهم ثم يغنيهم ، ويجعل دائرة السوء على من ناوأهم ، ويكفيهم أمرهم من غير محاربة ولا قتال ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ . . . الآية . ثم يكون لهم التصرف في الوجود بأسره ، أمرهم بأمر اللّه ، وحكمهم بحكمه ، واللّه غالب على أمره .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في التفسير ( 21 / 153 ) . وأخرجه البخاري ومسلم بلفظ : « لقد حكمت فيهم بحكم الملك » ، انظر صحيح البخاري ( المغازي ، باب مرجع النبي صلى اللّه عليه وسلم من الأحزاب . ح 41117 ، 4119 ) ومسلم ( الجهاد ، باب جواز قتال من نقض العهد ، 3 / 1388 - 1389 ، ح 64 - 65 - 66 ) . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أرقعة » يعنى سبع سماوات . وكل سماء يقال لها : ( رقيع ) . انظر النهاية ( رقع ) . ولسان العرب ( 3 / 1705 ) . ( 2 ) راجع السيرة لابن هشام ( 3 / 333 - 343 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري ( 21 / 153 - 154 ) .